نداء 14 دجنبر

تدعو احزاب التحالف الديمقراطي كافة الجماهير الشعبية للمشاركة في اليوم الوطني الاحتجاجي

إصدار جديد لمركز بنسعد

الموقف الوطني الثوري من مسالة الصحراء المغربية

تأجيل محاكمة الرفيق مجدي

تم تأجيل جلسة المحاكمة التي يتابع فيها الرفيق حميد مجدي إلى تاريخ 30 دجنبر 2013،بسبب عدم حضور ممثل إدارة الجمارك.

المفكر عبدالله حمودي بالمحمدية

اشكالية اللغة و انعكاساتها على النظام التربوي بالمغرب + الفيديو الكامل لمحاضرته

التلوث القاتل بالمحمدية

كشفت " المساء " عن مستوات مميتة من التلوث الصناعي بمدينة المحمدية تصيب الجهاز المصبحي و تؤثر على وظائف الكلي و الكبد و الجهاز التنفسي و القدرة الانجابية.

‏إظهار الرسائل ذات التسميات وجهات نظر. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات وجهات نظر. إظهار كافة الرسائل

السبت، 10 أغسطس 2013

الزلة الملكية

ابراهيم الكزوزي *
ما زالت بعض المدن تعيش على وقع الصاعقة المتمثلة في عفو الملك عن مغتصب الأطفال الإسباني الجنسية و الذي كان قد أدانته محاكم القنيطرة  ب 30 سنة سجنا لم يكمل منها سنته الثانية.
الحدث الزلة الذي انتفضت له قوى اليسار و العلمانية و الحقوقية صمتت عنه كل القوى الإسلامية بكل تلاوينها من الذين يعتبرون أنفسهم في منصب الحكم إلى الذين ينصبون أنفسهم المسؤولين عن الدين و لا يتهاونون في اللجوء إلى قتل من يخالفهم الرأي إلى الذين يتمترسون في المعارضة الشرسة. خلت كل التظاهرات من الملتحين و المحجبات و كذا من "الليبراليين و "الوطنيين" و ترك أمر الدفاع عن كرامة الوطن و الأطفال المغتصبين لقوى اليسار و الهيآت الحقوقية و المدنية. ففي الوقت الذي بقي فيه حزب التقدم و افشتراكية منشغلا باشكالية تتمتعه بفريق برلماني و بقي حزب الإستقلال منشغلا بغزوه "للمعارضة الوطنية" و بنشوة فوزه على بنكران  و بقي الإتحاد الإشتراكي منشغلا بفرحه و انتصاره باستقطاب حزب الإستقلال لصف معارضة سياسة الحكومة السفلى و السكوت عن قرارات الحكومة العليا و بقي الأحرار و الحركة الشعبية و الدستوريون  و بقية الدكاكين السياسية  منشغلة با "القضايا الكبرى" للأمة و المتمثلة في الركوع و السجود و التصفيق للقرارات الحكيمة و السديدة لرئيس الدولة و الطواف حول "رئيس الحكومة" قصد تصيد منصب وزاري أو ما دون ذلك بقليل و بقيت قوى "الإسلام السياسي" و "ألإسلام الحر" منشغلون بمراكمة "الأجر" بالإكثار من السنن و الحرص على استغلال كل الفرص المتاحة لكسب المزيد تجندت بعض الأبواق في الصحافة المرئية و المسموعة و المكتوبة لتبرير الحدث و التقليل من أهميته و المطالبة بعدم تسييسه  
الحدث الزلة الذي جندت له القوى الحية الغير الراغبة في المناصب الحكومية و المقاعد البرلمانية و التواقة للتغيير الحقيقي و لدولة الحق و القانون و المناهضة للفساد السياسي و التدبيري تمثل في قدوم رئيس الدولة بالعفو عن مغتصب لأحد عشر طفلا دون احتساب الذين تستروا عن الفضيحة. هذه الزلة الملكية لم تقف في حدود هذا الحدث بل تعدته لزلتين حكوميتين تتمثل أولاها في تبرؤ وزير العدل من الواقعة ناسبا إياها للديوان الملكي دون أن يعي أن اعترافه يشكل في حد ذاته تنقيصا من قيمته باعتباره غير متحكم في ميدان اختصاصه. ثاني الزلات الحكومية تتمثل في الهجوم الشرس لآلة القمع الحكومية لارتكاب مجزرة في حق المحتجين على الزلة الملكية الأولى و دفاعا عن القرار الملكي السديد المتمثل في عطف و رضي صاحب الجلالة على المساجين الذين أدانتهم المحاكم الظالمة و الغير إنسانية و إن كانوا قد اقترفوا الجرائم و الأفعال التي لا يقبلها أي بلد  و لا أي إنسان تفوق انسانيته درجة الصفر و لو بقليل. بعد الزلة الحكومية و هجمتها الشرسة على الأطر النقية  التي تناقلتها مختلف وسائل الإعلام الدولية يخرج الملك عن صمته ليرتكب زلته الثانية بتذرعه بجهله لملف المعفى عنه.ناسيا أن اعترافه هذا يحيله إلى مجرد أصابع للتوقيع على ما يقرره غيره الذي يستغل مهمته لبيع خدماته بالثمن الذي يريد لاحتكاره لتسويقها. تذرع الملك بالجهل يثبت مقولة العذر اكبر من الزلة إذ كيف يمكن لملك مارس مهمة "العفو" منذ توليه الملك كما مارسها أبوه طوال سنوات حكمه كآلية لكسب الأنصار  عبر تعطش "السجناء" و عائلاتهم لعطفه متناسيا كونهم  و باستثناء سجناء الرأي حثالة المجتمع إما بأوضاعهم الاجتماعية أو بما اقترفوه من جرائم و جنح أن يتذرع بخطأ غيره و الذي لن يكون إلا أحد معاونيه الذي عينه هو نفسه  في منصبه خاصة إذا علمنا أن جهازه الاستشاري و مختلف المؤسسات التابعة له تكاد تفوق مؤسسات الحكومة عددا و تفوقها نفوذا و قوة. كيف يمكن أن يصدر خطأ من هذا الحجم ممن ينزهه فقهاءه و تقام الدنيا و تقعد للتصدي لكل من شكك في شخصه المقدس أو ناقش خطابه او تحدث عن قصره المقدس او شكك في قدسية الأرض التي يطؤها.
زلة التذرع بالجهل تبعته زلة تدويل القضية بسحب العفو عمن لم يغادر فقط أسوار السجن بل غادر أيضا كل التراب الوطني مما يجعل أمر إعادته للسجن تستوجب المرور عبر دولة أخرى التي لم يقترف بها الجاني  ربما ذنبا يستدعي اعتقاله و يقحم وزارة العدل في طلب السراب  و إنشاء "سابقة" سيتم تداولها كإشكال خاص في مادة القانون الجنائي في مختلف الجامعات الوطنية و الدولية و تصبح مرجعا كونيا لدولة اللاقانون. الذي لا يمكن حله إلا بخرق مسطرة ما من مساطر القانون الوطني للبلد المعني و للقانون الدولي أيضا.
العفو الحدث ليس مجرد "حادث" للدراسة بل هو حادث أظهر محدودية الحكومة المغربية التي لا تلعب أي دور في مجال اختصاصها و لا تستشار فيما يعنيها أو تتم استشارتها فتجيب ب "افعل ما بدا لك" كما يطرح إشكالية "ازدواجية الحكم" و تداخل الاختصاصات بين وزارة العدل و إدارة السجون و بين هذه و السجون نفسها و مختلف أجهزة القضاء كما يحيل وزير العدل من النمر القوي إلى مجرد خروف  في جلد النمر كما أحال الهيآت السياسية المصطفة فيما تسميه بالمعارضة إلى مجرد هيأت هاوية "للغوت الفارغ" كما أحالت كل الحركات "الإسلامية" إلى حركات بهلوانية ربوتيه تتحرك بالزر و لا تملك لا سلطة التقرير و لا سلطة التنفيذ.
العفو الحدث عرى آلية كسب و إظهار العطف و الرضي بتقديم تنازلات غير مبررة و لا مقننة مثلما يتم في توزيع الهبات و العطاء من مال الأمة كما عرى مهمة ممارسة الملك و الحكم و إشكالية المحاسبة إذ أننا الآن أمام إشكال محاسبة من و بأية آلية و عقاب من و عن أي درجة من المسؤولية و هذا هو عمق الإشكال السياسي الذي تجندت ابواق عدة لمطالبتنا بعدم تسييس الحدث كما لو أنه مجرد زلة في الطريق و سكتت عنه الحكومة و الأحزاب المكونة لها و كذا الأحزاب المعارضة رسميا لها في البرلمان حتى تستصغر القضية  و 
تتلاشى  بتناسيها.

* عضو مكتب الفرع للاشتراكي الموحد بالمحمدية

السبت، 3 أغسطس 2013

أحبوا مغتصبكم...

*عبد اللطيف حجي
كان الإمام يحدثنا في العشر الأواخر من رمضان وما رافقها من مناسبة الولاء الكبير وبيعة الرضوان تحت الشجرة، بحديث السيدة عائشة عن العفو، فأخذته العزة بالولاء، وقال كلاما كثيرا لم نسمع بأن البخاري أو الترمذي أورده، فتدخل أحد الحاضرين ممن لهم ثقافة في الدين وبصيرة في العلم، وقال يا سيدي هذا الحديث صحيح؟

قال الإمام في عزة وشموخ، صححته حضرتي وهذا نصه: "إنك عفو كريم تحب العفو فاعف عن المغتصبين وكل المجرمين من بلاد الروم لنتق شرهم ونحفظ استقرارنا واستثناءنا".
ولكي يزيد في الإمعان، ويبين لنا أنه جمع علوم الدنيا والدين، أورد نصا من الانجيل، ليقول لنا بأن الحكمة ضالة المؤمن: "أحبوا مغتصبكم، باركوا السياح إذا ما للسياحة الجنسية مالوا إلى بلادكم، أحسنوا إلى المجرمين منهم وأطلقوا سراحهم"، صحت من مكاني الخلفي: "متى وا" أعني بالأمازيغية "ما هذا يا"، فقال الإمام:" نعم إنه من إنجيل متى، ومثلها في الإصحاح كثير"
أخيرا لم أتمالك نفسي وصحت في الإمام الجالس على الكرسي:" إذا اغتصبك الاسباني في تر...اليمنى فأدر له اليسرى أيها الإمام"
ليس ما سبق من باب السخرية المرة والمبكية وحسب، ولكنه من وحي الواقع بالأمس أمام مشهد الهراوات التي تنهال على أبناء الشعب وبناته ممن قالوا لا لإهانة كرامة المغربي وبيع أطفاله في المزاد العلني، إنه من وحي هذا الصمت المريب الذي أصاب مثقفينا ونخبتنا المستنيرة في هذا الوطن الذي قالوا لنا يوما بأنه وقع على كل المواثيق الدولية التي تخص حماية الحقوق النفسية والاجتماعية والاقتصادية لمواطنيه، وشدد على المواثيق الخاصة بحماية حقوق الطفل، هذا الأمل في بناء مغرب الغد، مغرب الحرية والكرامة والعدالة والاجتماعية.
إنه من وحي التواصل مع الكثير من المواطنين الذين لم ينضموا يوما إلى حركة 20 فبراير ولا خرجوا في إحدى مسيراتها، لكنهم عبروا مؤخرا على أن هذا الوطن لم يعد يتسع لأحد منا، أصيبوا بالذهول وأعلنوا الكفر بكل ما تسوقه الدولة من أوهام، أصبحوا عاجزين عن تلمس الطريق إلى أمل في الغد المشرق.
غير أن المثير للاستغراب في خضم هذا الغضب المشروع والأكيد، هو كتابات بعض الأقلام الصحفية التي لها –بكل تأكيد- حقها ورأيها في التعبير كيفما تشاء وبالطريقة التي تشاء، المثير في كتاباتها هو الحديث عن التوظيف السياسوي لهذا الحدث من بعض الجهات التي ترغب الإساءة للبلد.. بالله عليكم لماذا لم يتم الحديث عن توظيف سياسوي وفنوي وإعلاموي لقضية وئام، أم أن السرب المغرد لحظتها كان سرب الإجماع ؟
من يخول لنفسه الحق وصف مواطنين لهم الغيرة على هذا الوطن، يحملون نفس الحب العنيف تجاه الوطن الذي يحمله كل مواطن غيور على وطنه، خرج للتظاهر السلمي ضد قرار أصدرته مؤسسة ليست فوق الوطن وفوق المواطنين، كيف تسول لأحد نفسه بالقول إن هؤلاء يتحركون من الخارج ضد الوطن، كيف تسول له نفسه اتهام هذه الجموع بأنها تضع رجلا في الداخل ورجلا في الخارج.
اليوم على المؤسسة الملكية بدل هذا القمع الذي انتهجته الأجهزة المخزنية أن تبادر إلى الاعتذار إلى الشعب المغربي كما تفعل نظيرتها في البلد الذي أجج هذه الضجة وهذا الحدث، وعندما نقول هذا فنحن واعون بأن العفو الملكي هو قرار المؤسسة الملكية بعيدا عن لجنة تلك اللوائح التي نشرت مؤخرا لمن يتخذون قرار العفو قبل عرضها على أنظار الملك للتوقيع والموافقة، فعندما تم إطلاق سراح معتقلي السلفية وبعض الفعاليات الحقوقية، رفعت بعض خطابات الشكر إلى الملك، والعبارة التي نسمعها منذ  كنا صغارا في التلفزة المغربية –أدام الله إجماعها وابتعادها عن الاصطفاف إلى جانب الحقيقة ولا شيء غيرها- كان هو :"بمناسبة كذا أصدر صاحب الجلالة امره السامي بالعفو عن كذا كذا من المسجونين والموجودين في حالة سراح إلخ"، إذن نحن لا نعرف سياسة الدروس التي تأتي في آخر الحصة لتؤكد ما لم يقل طيلة الحصص السابقة، والذي ترسخ لدينا ويترسخ لدى كل أبناء هذا الوطن هو أن العفو الملكي هو قرار سامي لصاحب الجلالة، فإذا كان عفوا إيجابيا أثنى عليه الجميع ولم يتحدث أحد عن حيثياته، لكننا اليوم أمام عفو لابد أن يثير أكثر مما أثير، وهؤلاء الذين يعيشون في هذا الوطن مواطنون وليسوا رعايا فوداعا أيتها الأقلام التي اعتادت خطاب الوصاية وعبارات "سالات الهدرة".
ختاما، لن أتحدث عنك نجاة أنوار لأن المصريين قالوا مثلا صار عنوانا  للكثير من فاعلي المجتمع المدني بالمغرب "صح اللي اختشوا ماتوا".
*كاتب وفاعل جمعوي

السبت، 1 يونيو 2013

معركة المعتقلين السياسيين مستمرة بالمغرب


يقترب الإضراب المفتوح عن الطعام الذي يخوضه حوالي 20 معتقلا سياسيا بالمغرب من دخوله لمائة يوم . غالبية المعتقلين هم من شباب حركة 20 فبراير. تم تلفيق تهم جنائية ضدهم منها حيازة مخدرات. حسب رفاق المعتقلين، فإن صحة اثنين على الاقل، و هما حسن كوكو و منير أيت خافوا، تتدهور بعد أن قرروا الاضراب عن السكر أيضا ما أدى الى سقوط الأخير مغمى عليه ونقله للمستشفى حيث قامت السلطات بمحاولة اطعامه قسريا بواسطة حبل السيروم. و تتحدث تقارير يتناقلها شباب الحركة عبر الشبكات الاجتماعية، أن بعض السلطات الطبية تقوم بتزييف معطيات الوضع الصحي للمضربين ( الوزن و ضغط الدم .. ).
خارج أسوار السجن، تطبق الصحف الصمت اتجاه حركة الاضراب عن الطعام، منذ حوالي 80 يوما لم يكتب حرف واحد عن هؤلاء الشباب الذين تحدوا جبروت السلطة خارج السجن و داخله. لولى الشبكات الاجتماعية و بعض المواقع الاخبارية الالكترونية لما سمع أحد باضرابهم عن الطعام. 
بعد حوالي شهر من بدأ حملة و طنية و دولية ضد الاعتقال السياسي، وفي يوم الاحد المنصرم ( 26 ماي )، نظمت حركة 20 فبراير مسيرات و وقفات احتجاجية بالعديد من المدن و القرى، قابلتها السلطات بقمع شديد، تزامن مع وجود الملك في عطلته الموسمية بفرنسا و مع انظلاق مهرجان موازين المثير للجدل الذي ينظم تحت رعايته سنويا من جهة ثانية.
بعد تنصيب حكومة عبد الاله بنكيران، و انسحاب جماعة العدل و الاحسان من 20 فبراير تحت يافطة الصراع بين العلمانية و الاسلام، استفردت السلطة بشباب الحركة و لاحقتهم و شتتت مظاهراتهم بالقوة و اعتقلت من بينهم العشرات و اختطفت و حاصرت و لفقت التهم لتزج بهم في السجون.
لا توجد احصائيات كاملة عن الاعتقال السياسي بالمغرب. هناك ما يفوق المائة من المعتقلين السياسيين أغلبهم من حركة 20 فبراير و الاتحاد الوطني لطلبة المغرب و مناضلين بالحزب الاشتراكي الموحد. حوكموا بقوانين جائرة تستهدف حرمانهم من وضعية معتقل سياسي. وهذا سلوك لم يصدر من الدولة حتى في عز سنوات الرصاص و القمع ضد معارضيها خلال حكم الحسن الثاني.
وفيما لازالت المحاكم تتابع العشرات من الاعضاء الحركيين، و تلفق التهم ضد مناضلين و مناضلات كسروا حاجز الصمت و اعلنوا التمرد ضد الفساد و الاستبداد بالمغرب، تستمر النخبة السياسية في التنابز و تفجير المفرقعات في سماء واقع سياسي و اجتماعي و اقتصادي مشحون بالتوتر و عدم الاستقرار.
و قد ارخى وضع النخب و الاعلام بظلاله على الراي العام المغربي، الذي بدا مساكنا و مستسلما في ظل الازمة الخانقة التي بدأ يشعر بها المواطن بشكل عام، و تبخر الوعود التي اطلقتها حكومة العدالة و التنمية، يدفع الكثير من الناس لتبرير استسلامهم للامر الواقع، و كيفما كانت ظروفهم، فإن هذا التبرير هو أفظع من الخضوع للواقع و الاستسلام اليه، لانه يسد أي امكانية للتفكير مجددا في التصدي لهذا الواقع و مقاومته، وهذا ما تخطط له السلطة المخزنية باحكام، للانفلات من المال المحتوم الذي ينتظرها.
لقد حاولت السلطة طي الحراك الشعبي الذي دشنته 20 فبراير بمختلف السبل، فعدلت الدستور و فتحت بعض السجون و المعتقلات و قامت بالاعلان عن الزيادة في أجور بعض الموظفين و عن تشغيل و توظيف بعض حملة الشواهد العليا.. و قامت الدولة كعادة متأصلة في جهازها المخزني،بشراء و استدراج النخب السياسية و الاجتماعية و المدنية الصاعدة، عبر المجالس الاستشارية و الايام الدراسية و المناظرات .. فيما أسكتت نخب الاحزاب و النقابات، كما أسكتت بعض اسر شهداء 20 فبراير ، لازالت دماؤهم لم تجف، اما باغرائها او تهديدها و تسويفها.
كل هذه المحاولات التي جابهت بها السلطة مطالب الحركة في الكرامة و الحرية و العدالة الاجتماعية، لم تؤد إلا لتفاقم الوضع و زيادة التوتر . فحكومة الاسلاميين أصبحت جمرة ملتهبة في يد من يسيرها من الخلف. و الدستور المعدل رغم عيوبه الكثيرة ادخل للحفظ بثلاجة القوانين التي تصدر و لا تطبق. و بتنا نعيش اليوم انهيارا متسارعا لكل تلك المحاولات و الرهانات التي بنت عليها الدولة سياستها الاستباقية لمص غليان الشارع و التحكم فيه.

كانت التكلفة باهضة جدا للوقوف في وجه 20 فبراير. و اليوم، بعذ ثلاث سنوات من المواجهة، تواجه الدولة ضغوط صندوق النقد الدولي بالشروع فورا في تطبيق سياسة أكثر تقشفا بما في ذلك رفع الدعم عن المواد الاستهلاكية الاساسية للشعب المغربي. فقد ارتفع الدين الخارجي بشكل كبير في هذه الفترة، و تراجعت مؤشرات الاقتصاد المغربي و توقفت العديد من الاستثمارات بسبب غموض الوضع السياسي و الاجتماعي. فيما تزايدت مؤشرات الفساد و الانفلات الامني و تصاعد الاحتجاجات و الحركات الاجتماعية المنظمة و غير المنظمة..
في هذا الوضع المشحون، يصمد شباب الحركة من وراء القضبان و خلف أسوار التعتيم الاعلامي و جدران الصمت و الخدلان .. مواصلين معركتهم ضد الظلم و الحركة و الطغيان : فتحية اكبار لهم.
محمد السلايلي

الثلاثاء، 21 مايو 2013

مقتــرح الانسحــاب

بقلم الرفيق محمد الساسي
جاء في بيان المجلس الوطني لحزب الاستقلال، المؤرخ بـ11 ماي 2013، ما يلي: «ولذلك وبعد التداول والنقاش الحر والمسؤول، قرر المجلس الوطني للحزب إعلان انسحاب الحزب من الحكومة الحالية. وفي سبيل ذلك وإيمانا من الحزب بالاحتكام للدستور كوثيقة تعاقدية متينة، قرر الالتجاء للفصل 42 من الدستور الذي ينص على ما يلي: (الملك رئيس الدولة وممثلها الأسمى ورمز وحدة الأمة وضامن دوام الدولة واستمرارها  والحكم الأسمى بين مؤسساتها، يسهر على احترام الدستور وحسن سير المؤسسات الدستورية، وعلى صيانة الاختيار الديمقراطي)، ويخول قيادة الحزب تصريف إعمال ما يستوجبه هذا الأمر».
مبدئيا، يبدو القرار منطقيا نظرا إلى عدد من العوامل:
القرار منطقي إذا تأملنا مضمون المذكرة التي سبق أن بعث بها حزب الاستقلال إلى رئيس التحالف الحكومي؛ فهذه المذكرة تتضمن نقدا عميقا لبنكيران وصحبه، وتعلن عن وجود اختلاف جوهري معه في مقاربة العديد من قضايا التسيير الحكومي. المذكرة، مثلا، تؤاخذ بنكيران على تشهيره بتجارب الذين سبقوه، بيد أن «جميع السياسات القطاعية التي انطلقت مع الحكومة الحالية هي سياسات تم إعدادها في عهد الحكومات السابقة بتوجيهات من جلالة الملك». والمذكرة تؤاخذ بنكيران على تحلله من تنفيذ ميثاق الأغلبية، وعلى تقديم مقترحات قوانين بدون تشاور، واتخاذ قرارات أحادية كالزيادة في أسعار المحروقات والاقتطاع من أجور المضربين، والإعلان عن مبادرات غير متفق عليها خاصة بصندوق المقاصة ودفاتر التحملات والمخطط التشريعي ونشر لوائح المأذونيات، وبطء وتيرة العمل، وغموض مقاربة اقتصاد الريع والفساد، والتراجع عن تنفيذ بروتوكول 26 أبريل 2011 ومحضر 20 يوليوز، والاشتغال بمنطق رئاسي في بيئة برلمانية، وترك الاقتصاد الوطني يدير نفسه بنفسه، وتزايد المس بالحريات، وعدم الوعي بالدور الذي تلعبه الطبقة المتوسطة وفرض ضرائب جديدة عليها، وإهمال العالم القروي، والتأخر في إعداد القوانين التنظيمية، والتقيد برؤية محاسباتية ضيقة للمالية العمومية، واعتبار قضية المقاصة مجرد مشروع قطاعي، وانزلاق رئيس الحكومة نحو خطاب حزبي لا يراعي الالتزامات العامة لموقعه، وغياب رؤية موحدة في تدبير قضية التعيين في المناصب السامية، واختلال الهندسة الحكومية.. إلخ.
الأصل أن وجود اختلافات بهذه الدرجة من العمق بين مكونات الحكومة يبرر انسحاب أحد هذه المكونات. لكن نقطة الضعف الأساسية في الخطاب الذي تبنته مذكرة حزب الاستقلال أن الحكومة الحالية ورثت أيضا تركة ثقيلة من المشاكل عن الحكومة السابقة التي كان حزب الاستقلال يشغل موقع الوزارة الأولى فيها، ولا يكفي نقد التجربة الحالية لإخفاء تلك التركة؛ إلا أن شباط قد يدفع بكونه يتحدث باسم «حزب استقلال جديد» !
القرار منطقي إذا اعتبرنا أن بنكيران لم يتعامل بجدية مع إنذارات حزب الاستقلال، واعتبرها نوعا من الاستعراض السياسي السخيف الذي لن يصل أبدا إلى حد مغادرة السفينة الحكومية. وبهذا المعنى، يكون بنكيران قد ارتكب، ربما، خطأ في التقدير، وعليه أن يتحمل المسؤولية.
القرار منطقي بالنظر إلى سقوط حكوميي العدالة والتنمية وقادته في نوع من الموقف الاستعلائي الذي جعلهم، وخاصة في المرحلة الأولى للتجربة، يتجاهلون أن في الحكومة أحزابا أخرى تشكل الأغلبية في تركيبتها، وأن حزب بنكيران لم يفز بالأغلبية المطلقة لمقاعد مجلس النواب.
القرار منطقي لأن أي حزب مشارك في حكومة من الحكومات لا يرضى بأن ينفرد حزب آخر وحده باستخلاص المنافع السياسية التي قد تثمرها التجربة الحكومية، ويظل هو بعيدا عن الإفادة منها. حزب الاستقلال يدافع، إذن، عن مصالحه ولا يقبل أن تـُنسب كل حسنات التجربة إلى غيره وكل مساوئ التجربة السابقة إليه، ويفضل أن تقدم الحكومة الحالية نفسها إلى الناس باعتبارها حكومة تحالف وليس حكومة العدالة والتنمية.

القرار منطقي لأن القيادة الاستقلالية الجديدة لم تعد تعتبر أن حزب الاستقلال اليوم هو حزب الاستقلال الذي كان قبل انتخابها.. إنها تعتبر أنه أصبح حزبا بأظافر، وحقق ثورة داخلية يجب أن تنعكس آثارها على وزنه الحكومي، وأنه لم يعد يقبل بوضع الحزب التابع أو المكمل لتجميع عددي، وأنه حزب فاعل في التجربة ويطمح إلى توزير المزيد من أطره، وخاصة تلك التي دعمت مسار الثورة الداخلية التي يجب أن تتحول من مجرد ثورة داخلية، تغير قواعد اللعبة  داخل الحزب وبين مكوناته، إلى ثورة تؤتي أُكلها «الخارجي» وتغير قواعد علاقة الحزب بمكونات الساحة السياسية.
القرار منطقي لأن أكثر من طرف يطلب رأس بنكيران ويريد تهجين وإجهاد التجربة التي يقودها ونقله من موقع الهجوم إلى موقع الدفاع، حتى يصبح مجرد استمرار التجربة هو غاية ما يتمناه. وشباط يعي مواطن ضعف خصمه، ويرغب في تحقيق أكبر استفادة ممكنة من هذا الوضع.
ويثور، هنا، تساؤل مشروع عن الأسباب التي قد تجعل البعض يبيت خطة إضعاف بنكيران، رغم أن هذا الأخير يضعف نفسه بنفسه، ويخدم عناصر الاستمرارية أكثر من عناصر التغيير؛ فلم يتحقق تحسن اقتصادي، وقيل إن السبب هو الأزمة العالمية؛ ولم يتحقق برنامج شامل ومنهجي لمحاربة الفساد، وقيل إن الأدلة تعوزنا؛ واتسع مجال المس بالحريات، وقيل إن الأجهزة الأمنية تحتاج إلى دعم جهودها في هذا الظرف الدقيق الذي يُستهدف فيه أمن الوطن؛ ولم يجر أي تفعيل متقدم لمواد الدستور في اتجاه ربط القرار، ما أمكن، بصناديق الاقتراع، وقيل إن تنزيل الدستور هو مهمة الملك أما الحكومة فتمارس، فقط، وظيفة مساعدة الملك؛ ولم يظهر هناك أي أثر لتدخل الحكومة في تدبير ملف الصحراء ومسار العلاقات الخارجية للمغرب، وقيل إن الملك قام باللازم. ومع ذلك يستهدفون بنكيران، ماذا يريدون، إذن، من الرجل؟
إن هذا الاستهداف، في نظرنا، مرده إلى ثلاثة أسباب، على الأقل:
- أن الرجل لم ينجح في لجم حزبه، فتصريحات رفاقه مزعجة للبعض، وتنطوي أحيانا -في نظر هذا البعض- على ما يشبه المس بعقد ضمني غير معلن، لأن الحزب عندما يصل إلى رئاسة الحكومة، فمعنى ذلك أنه يصبح مطوقا بواجب تجنب نقد بعض الممارسات والرموز؛
- أن الرجل أحاط نفسه بنوع من الهالة وصنع حوله الكثير من الضجيج وأغرق الساحة السياسية -دائما في نظر هذا البعض- في أحاديث لا تنتهي وخطابات محملة بالكثير من الغمز واللمز، عن العفاريت والتماسيح والسمن والعسل والاعتداد بالنفس والوعد والوعيد والاستقواء بشرعية الشارع وصناديق الاقتراع؛
- أن الرجل لم يَع، بعد، أن الأوضاع تغيرت وأن الحراك، الذي لولاه لما وصل إلى رئاسة الحكومة ولما كان دستور 2011، قد خبا وانطفأ. لقد كانت هناك ظروف استثنائية أملت اللجوء إلى ترتيبات استثنائية؛ واليوم، بعد أن عادت الأشياء إلى طبيعتها واسترجع النظام زمام المبادرة، أصبحت التجربة الحكومية الحالية عبئا عليه، وأصبح المطلوب هو أن يتخلى بنكيران ورفاقه عن أي طموح إلى إضفاء نكهتهم الخاصة على سير الأمور وأن يعيدوا ملاءمة التجربة مع الأصول والقواعد التي كان العمل جاريا بها قبل 20 فبراير 2011؛ فهامش الحركة الصغير، الذي أُتيح لبنكيران في المرحلة الراهنة، أصبح يبدو كبيرا ولا يُحتمل، مقارنة بالماضي وليس بما يقضي به دستور 2011.
بعد إصدار المجلس الوطني لحزب الاستقلال بيان 11 ماي 2013، أصبح الوضع مفتوحا على سيناريوهات متعددة، باستثناء سيناريو الدعوة إلى انتخابات تشريعية سابقة لأوانها، الذي يبدو، في نظرنا، مستبعدا. يمكن أن يقع هناك تدخل ملكي لـ»إصلاح ذات البين» بين حزب الاستقلال وحزب العدالة والتنمية؛ ويمكن أن يحصل تعديل حكومي وإعادة ترتيب الأغلبية الحالية لتوازناتها الداخلية؛ ويمكن أن يغادر حزب الاستقلال الحكومة ويتحول إلى المعارضة؛ ويمكن أن يلتحق بالحكومة حزب أو حزبان أو أحزاب جديدة (التجمع الوطني للأحرار، الاتحاد الدستوري، بل حتى حزب الأصالة والمعاصرة). لكن، في جميع الأحوال، وأيًّا كان السيناريو أو الحل المعتمد، فإنه سيكون على حساب بنكيران، وسيفضي إلى إضعافه وقص أجنحته، وإملاء شروط جديدة عليه، مع الإبقاء عليه حاضرا في الحكومة، لانعدام أي بديل آخر حاليا، ولأن الانتخابات التشريعية المبكرة تمثل مغامرة محفوفة بالكثير من المخاطر، إذ قد تعيد حزب العدالة والتنمية إلى تصدر النتائج بحصيلة من الأصوات والمقاعد أكبر مما يتوفر عليه حاليا، ويمكن أن تعيد تمييل ميزان القوى لصالح الشارع بعد أن تحقق نوع من الاطمئنان الرسمي إلى أن صفحة 20 فبراير قد طـُوِيَتْ. ولو كان طريق الانتخابات سالكا لتَمَّ الإسراع بعقد الانتخابات الجماعية والخروج من الوضع الدستوري الملتبس الذي يحيط بوجود الغرفة الثانية.  والنتيجة، إذن، أن كلفة الانتخابات السابقة لأوانها ستكون غالية.
بقي أن نشير إلى أن بيان حزب الاستقلال، حين صرح بالاحتكام إلى الفصل 42 من الدستور، فهو أراد أن يشير، سياسيا، إلى أن الأمر لا يتعلق بقرار للانسحاب من الحكومة، بل بمقترح للانسحاب، يعود إلى الملك أمر البت فيه بالقبول أو الرفض.

الأحد، 19 مايو 2013

التحول الذي يخيف المخزن المغربي

بقلم الرفيق محمد السلايلي
في نفس الفترة من شهر مارس الماضي، أوقفت وزارة العدل والحريات المغربية عن العمل نائبا لوكيل الملك بميدلت ، وجهت له تهمة إجبار ميكانيكي على تقبيل حذائه. القضية التي تناولتها الصحف و المواقع الالكترونية لم يكن لتستأثر بفضول الراي العام، لو لم تنتفض هذه المدينة الصغيرة من المغرب الشرقي المهمش. فبعد انتشار الخبر لم تتوقف المسيرات و المظاهرات التي لم يسبق ان عرفتها المدينة من قبل.
بالأسبوع الماضي، و بمدينة زاكورة جنوب المغرب هذه المرة، خرج آلاف المواطنين يوم الخميس 9 ماي، في مسيرة ليلية جابت شوارع المدينة، وانضمت لها جمعيات وهيئات حقوقية بالمنطقة، احتجاجا على وفاة شابة وجنينها أثناء عملية للولادة بمستشفى الدراق بزاكورة. بسبب اللامبالاة و الإهمال للطاقم الطبي وغياب التجهيزات الضرورية بالمستشفى. بعد 48 ساعة سيعلن وزير الصحة المغربي أنه قرر رفع دعوى قضائية ضد طبيبين بالمستشفى متهمين بالإهمال المؤدي لموت امرأة و جنينها.
قبل ذلك بأسبوع، تتبعت الصحافة المغربية المظاهرات التي نظمها اهالي قبيلة مزورقة بإقليم الخميسات أمام مقر الدرك الملكي ضد مسؤول كبير من الدرك صفع امرأة مسنة. لم تتوقف المظاهرات الا بعد اعفاء هذا الدركي من ممارسة مهامه و الحاقه بالإدارة المركزية.
ايضا يمكن الوقوف عند الحركة الاحتجاجية التي اندلعت نهاية الاسبوع المنصرم، عقب حريق المسجد الأعظم بتارودانت الذي يعد معلمة تاريخية تعود للقرن السابع عشر. المحتجون جابوا شوارع هذه المدينة الجنوبية للمطالبة بفتح تحقيق نزيه حول اسباب الحريق و تقديم المسؤولين عنه للمحاسبة.
هناك عشرات من الحركات الاحتجاجية المماثلة التي تتميز مطالبها بالكرامة فقط و تختلف عن جل الحركات التي تنحصر أهدافها في 
المطالب الاقتصادية و الاجتماعية كالشغل و السكن و ارتفاع الاسعار ... وهنا يجب ان نتوقف قليلا عن ما يميز هذه الحركات عن سواها من الاحتجاجات التي يعرفها المجتمع المغربي بشكل مسترسل و دون انقطاع.
اول ملاحظة تثير للانتباه، ان هذا النوع من الحركات الاحتجاجية جديد على المجتمع المغربي. نحن اليوم لسنا امام حركة استثنائية من اجل الكرامة محدودة في الزمان و المكان، نحن امام حركة تتسع و تنمو و تتطور نحو الشمولية في مواجهتها للسلطة من خلال مطلب الكرامة و احترام حقوق الانسان و الاحتجاج ضد الظلم و البطش لرجال السلطة و أعوانها. هي ظاهرة جديدة بالمجتمع بكل ما تحمله  كلمة جديدة من معنى.
الملاحظة الثانية، أن هذا النوع من الحركات الاحتجاجية يتكون ويختمر بالمغرب المنسي أي بعيدا عن المغرب النافع حيث تقع المدن الكبرى و جل عناصر النخب السياسية و الاجتماعية و المدنية التي دجنتها السلطة المخزنية و فصلتها عن الدينامية الاجتماعية و الثقافية الحقيقية للمجتمع. فخروج سكان ميدلت نساء و شيوخا و اطفالا و سكان  زاكورة و تارودانت و الخميسات و غيرها من المدن البعيدة عن محور القنيطرة الجديدة، يؤكد أن المغرب يشهد تحولا عميقا و أفقيا يمس العلاقة الجوهرية بين المواطن و السلطة الحاكمة.
بلغة السيسيولوجيا الكولونيالية، نحن نعيش بداية تزحزح العلاقة بين المخزن و اطراف المجتمع من بوادي و مدن وقرى بعيدة عن المركز. فقد ظلت هذه العلاقة الى وقت قريب، في صالح السلطة المخزنية، و كانت بمثابة احتياط سياسي كبير للنظام القائم استعمل لمواجهة وتطويع المعارضة و تلجيمها من خلال فرض شبه حالة استثناء على هذه الربوع من المملكة.
اذن نلمس عودة البادية و الحواضر المرتبطة بها الى الوضعية التي كانت تسميها الادبيات الكولونيالية ب"بلاد السيبة"، بعد ان انقلبت الادوار ابان بداية الاستقلال السياسي، حيث أصبحت المدن التي كانت ضمن بلاد المخزن، بلادا للسيبة، وأما البادية فقد أخضعت جملة و تفصيلا لسيطرة الاعيان و السلطة المخزنية وفق السياسة الاستعمارية التي انتهجتها فرنسا أثناء مواجهتها للمقاومة القبلية. من هذه الزاوية، نحن نعيش اليوم انتفاضة المغرب غير النافع و عودته للاحتجاج ضد السلطة و جبروتها، بعد سنوات طوال، كان فيها هذا المغرب ساكنا خاضعا و صامتا تفعل به السلطة ما تشاء.
الملاحظة الثالثة، أن هذه الحركات هي حركات شابة، غالبية أطرها احتكت بثقافة المدن و لم تعد معزولة كما كان عليه الشأن بالنسبة للأجيال السابقة. عكس ابناء المدن المركزية، حيث تستعمل الادوات المعرفية و التكنولوجية الحديثة من أنترنيت و جمعيات و اندية للترفيه و قضاء الوقت الفارغ، نجد شباب هذه المناطق متمرسا في هذا الفضاء التكنولوجي الحديث، للبحث عن مخارج و حلول للأوضاع البئيسة التي تعيش فيها مدنه و قراه. ان المعارضة الحقيقية للدولة اليوم، توجد على اطراف المغرب النافع، هناك ترمم علاقة النخب بمجتمعها بعيدا عن اغراءات السلطة و انتهازية النخب الوطنية المدجنة.
الملاحظة الرابعة و الاخيرة، ان هذه الحركات الاحتجاجية حطمت كبرياء و تعنت السلطة المخزنية التي كانت تضحي بكل شيء مقابل الحفاظ على هيبتها وأن لا تتنازل للمتظاهرين  حتى لا تظهر بمظهر الضعيف المنهزم الذي ينحني أمام الجماهير. لقد كسرت هذه الحركات هيبة الدولة و اجبرتها على تحقيق مطالبها، و هذا ما سيقويها و يوسع من اشعاعها ومحيطها، لان الناس بدأت تعلم ان لها مطالب و حقوق على الدولة، و من الممكن تحقيقها ان تظاهروا و احتجوا موحدين أمام جبروت السلطة
 أكيد أن السياق العام الذي تحدث فيه هذه التحولات، يساعد على بلورة وعي جديد للعلاقة بين الحاكم و المحكوم. بالموازاة مع تداعيات الربيع الثوري الذي انطلق من تونس اواخر سنة 2010.  و حنشأة حركة 20 فبراير النسخة المحلية لحراك الشعوب، بدأنا نسجل بعض ملامح هذا التحول في الذهنية السياسية للمغاربة، و في غياب وجود طبقات وسطى قادرة على قيادة المجتمع، فإن  سكان المدن الصغرى و العالم القروي هم من يقودون هذا التحول لبعدهم عن مركز الضبط المخزني الموجود بالمدن الكبرى و بعض الارياف التابعة لها.
ما يختلف به ابناء المناطق الداخلية عن غالبية شباب المركز، أن هؤلاء الاخرين، لا يثقون في السياسة و لا في أي عمل جماعي لا يترجم مصالحهم الشخصية، بالنسبة لبعضهم فان تطلعاتهم مرهونة بالقرب من السلطة لا بمعارضتها و الوقوف ضد سياستها. انه شباب مسالم في غالب الاحيان، مخنث و الف حياة الاستهلاك. بمدن المركز يكفي ان تنطق اسم نقابة او حزب او كلمة نضال، ليبتعد عنك الشباب و لا يأخذون كلامك مأخذ جد. على العكس بالمناطق الاخرى، حيث يتنفس الشباب السياسة كما يتنفسون الهواء بدون خلفيات و لا تحفظ، حاقدين عن النخب السياسية المدينية المدجنة، التي لا تتعاطى مع شانهم المحلي الا ظرفيا و خلال مواسم الانتخابات، لكنهم واعون تمام الوعي انه بدون نضال وادوات للنضال، لا يمكن أن يرفع الظلم و الحيف عن مناطقهم.
لا يقف الشباب بهذه المناطق عند الجدل الديني العلماني المفترض، الذي يغيب النخب و الاطر المدينية عن مجريات الصراع القائم بالبلاد، فهم ينشدون الكرامة، و يدافعون عن انسانيتهم  في وجه البطش و الظلم السلطوي. فهناك امور تحدث بعيدا عن المركز، هي أكثر نقاء و تأصلا ، وهذا ما حدث ببلدة سيدي بوزيد، اواخر 2010 حيث خرجت تحتج ضد الدولة بعد حرق البوعزيزي لنفسه امام مقر السلطة التونسية، فكانت بداية تحول عميق في الذهنية السياسية للتونسيين. لم يتمكن العديد من الوقوف عند هذا التحول، لان قوى الارتداد و الانقلاب على الثورة، توجه الانظار للنكوص و التراجع، و تحجب الرؤية عن كل تحول أصيل و جديد بما تملكه من وسائل جبارة كالدين و الاعلام، و خلق مجموعات زبائنية مرتبطة ببرنامج الثورة المضادة.

مهما كانت وسائل كبح الجديد و منعه و قمعه، فلابد له أن يظهر ولو بعد حين : انها جدلية الطبيعة و حياة الشعوب أيضا 

الحوار المتمدن